محمد بن محمد ابو شهبة

437

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

فقالت : واللّه ما يبلغ بني ذلك أن يجير بين الناس ، وما يجير أحد على النبي صلى اللّه عليه وسلم « 1 » فقال : يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني ، فقال علي : واللّه ما أعلم لك شيئا يغني عنك شيئا ، ولكنك سيد بني كنانة ، فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك ، فقال : أو ترى ذلك مغنيا عني شيئا ؟ فقال : لا واللّه ، ولكن لا أجد لك غير ذلك ، فقام أبو سفيان فقال : إني قد أجرت بين الناس ، ثم ركب بعيره وعاد من حيث أتى ، فلما قدم على قريش أخبرهم بما كان وإجارته بين الناس ، فقالوا له : هل أجاز ذلك محمد ؟ قال : لا ، قالوا : ويحك ما زاد الرجل على أن لعب بك فما يغني عنا ما قلت . تجهز النبي للخروج ولم يلبث رسول اللّه أن أخذ التجهز للخروج إلى مكة ، وأذّن في الناس بالتجهيز ، وأخفى مقصده إلا عن بعض خاصته كالصدّيق ، وكان غرض رسول اللّه أن يبغت قريشا في عقر دارها من غير أن تأخذ أهبتها ، حرصا أن لا تراق الدماء في بلد اللّه الحرام ، فلما تجمعت الجموع وتهيأت للمسير أخبرهم بمقصده وقال : « اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها » . كتاب حاطب إلى قريش ولما أجمع صلى اللّه عليه وسلم المسير إلى مكة كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول اللّه ، ثم أعطاه مولاة لبعض بني عبد المطلب تسمى سارة ، وجعل لها جعلا على أن تبلّغه قريشا ، فجعلته في عقاص شعرها ، ثم خرجت به ، فإذا الوحي ينزل على رسول اللّه بما صنع حاطب ، فبعث عليا والزبير والمقداد وقال : « انطلقوا حتى تأتوا ( روضة خاخ ) فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها » . فانطلقوا تتعادى بهم خيلهم حتى أدركوها ، فقالوا لها أخرجي الكتاب ، فقالت : ليس معي كتاب ، فقالوا لها : لتخرجنّ الكتاب ، أو لنكشفنّ

--> ( 1 ) لا مخالفة بين هذا وقوله عليه الصلاة والسلام : ( ويجير على المسلمين أدناهم ) لأن المراد بالثاني من يجير واحدا ونفرا يسيرا ، وأما قول السيدة فاطمة فالمراد به الإجارة العامة أي لا يمنع أحد الإمام من غزوه قوما .